السيد محمد باقر الصدر
262
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
وسائل الإنتاج ، وحصلت بسبب ذلك على مكاسب تشابه تماماً المكاسب التي حصلت عليها الاشتراكيّة الماركسيّة في تجربتها . ففي بعض الممالك الهيلينستيّة وفي مصر خاصّة اتّبعت الدولة مبدأ التأميم ، وأخضعت الإنتاج والمبادلة لإشرافها ، وتولّت بنفسها إدارة معظم فروع الإنتاج ، فجلب هذا النظام للدولة فوائد كبيرة ، ولكنّه حيث كان ينفّذ في إطار سلطة فرعونيّة مطلقة لم يستطع بعد ذلك أن يخفي جوهره . فإنّ التأميم في ظلّ سلطة مطلقة تنشئ الملكيّة الجماعيّة لتوسعة الإنتاج لا يمكن أن يؤدّي واقعيّاً إلّاإلى تملّك السلطة نفسها ، وتحكّمها في الممتلكات المؤمّمة ؛ ولهذا ظهرت في التجربة القديمة خيانة الموظّفين ، واستبداد السلطة التي كانت تتجسّد في شخص الملك ، حتّى قفز الملك إلى درجة ( إله ) ، وأصبحت القوى الهائلة تنفق كلّها لحساب هذا الإله الحاكم ، وتحقيق رغباته من بناء المعابد والقصور والقبور . ولم يكن من الصدفة أن تقترن تجربة التأميم في أقدم العهود الفرعونيّة بنفس الظواهر التي اقترنت بها تجربة التأميم الماركسيّة في العصر الحديث ، من التقدّم السريع في حركة الإنتاج وتمتّع السلطة بقوّة تشتدّ وتنمو بشكل هائل ، وانحرافها واستبدادها بعد ذلك بالثروة المؤمّمة . فقد تقدّمت حركة الإنتاج في ظلّ التجربة الحديثة للتأميم ، كما تقدّمت في ظلّ التأميم الفرعوني ؛ لأنّ التسخير غير الحرّ في الإنتاج يثمر دائماً التقدّم السريع الموقّت في حركة الإنتاج . ونشأ التأميم في كلٍّ من التجربتين في ظلّ سلطة عليا لا تعترف لنفسها بحدود ؛ لأنّ التأميم حينما يقصد منه تنمية الإنتاج فحسب يتطلّب مثل هذه السلطة الحديديّة . ونتج عن ذلك في كلٍّ من التجربتين أيضاً استفحال أمر السلطة وتمتّعها بالجوهر الحقيقي للملكيّة ؛ لأنّ التأميم لم يقم على أساس روحي أو قناعة بقيَم خُلُقيّة للإنسان ، وإنّما قام على أساس مادّي لتحقيق أكبر نصيب من الإنتاج ،